كيفية التعامل مع الظروف الصعبة والتأقلم معها

التأقلم مع الظروف الصعبة

التكيف العاطفي
التأقلم في علم النفس

إن تعلم كيفية التأقلم مع الظروف هي مهارة حياتية لا تقدر بثمن، قد تبدو لك بأنها مهارة صعبة ومربكة، إلا أنها ليست كذلك، فهي أقل تعقيدًا مما تعتقد. هل سألت نفسك عن السبب الذي يجعل بعض الأشخاص في حالة أفضل من البعض الآخر في التأقلم مع الحياة وتقلباتها وظروفها الصعبة. ما هو السر وراء حالة الهدوء التي يعيشونها؟ كيف تمكنوا من التأقلم والتكيف مع الواقع وتحقيق السلام الداخلي لديهم بالرغم من الضغوط والمواقف الصعبة التي يمرون بها؟

في هذا المقال، سنتحدث عن التأقلم في علم النفس، وعن كيفية التعامل مع الظروف الصعبة من خلال استراتيجيات التأقلم

التأقلم في علم النفس.

التأقلم في علم النفس هو مجموعة من آليات التكيف النفسي التي تُمكن الشخص من التعامل مع ما يحدث في محيطه الخارجي، وتساعده على التكيف مع الواقع وتَحمّل الإجهاد والصراع والضغوط النفسية المصاحبة لتلك الأحداث. 

بعبارة آخرى، فإن التأقلم النفسي هو المجهود العقلي الذي يبذله الشخص بصورة واعية لحل مشكلة شخصية، أو تفاعلية، أو احتواء موقف؛ وذلك من خلال ميله نحو سلوك محدد، أو نمط تفكير معين، والعمل على اكتساب السمات الوظيفية التي تزيد من قدرته على التكيف مع الظروف والتحديات والمواقف الصعبة التي تواجهه، والتَغيُرات التي تحدث له، بهدف الحفاظ على التوازن النفسي والتقليل من التوتر والضغوط الناتجة عن تلك التَغيُرات.

استراتيجيات التأقلم.

منذ فترة كنت أقف مذهولًا تمامًا من أولئك الأشخاص الذين يبدون وكأنهم معصومين من التأثر بالفوضى الخارجية التي تحدث، والضغوط النفسية لآلاف الأعمال الدرامية الصغيرة التي تنشأ يوميًا. 

كُنت أتساءل عما إذا كان ذلك الهدوء النفسي الرائع الذي يظهره أولئك الأشخاص نتيجة للحظ، فقد كانوا دائمًا، بطريقة ما، يُسيطرون على حياتهم بنسبة كبيرة جدًا؟ ولكنني أدركت في النهاية بعد أن مريت بالعديد من الظروف والمواقف الصعبة، ومن خلال مطالعتي للعديد من الكتب أن السر وراء ذلك لا يَكمن في قوة التحكم في النفس، أو الأشخاص، أو المواقف، وإنما في السماح لكل شيء بالتدفق في مساره الطبيعي.

إن الفرق بين محاولة السيطرة والتحكم، وبين التخلي والسماح هو أنه كلما حاولت السيطرة على الموقف أو مقاومته - سواء بالمطالبة به بطريقة مختلفة، أو برغبة في شيء آخر، أو بإجبار نفسك على النظر بطريقة معينة - كلما كان الاضطراب الجسدي والعاطفي والنفسي أكثر وأكثر.

من ناحية أخرى، كلما قَبِلت موقفًا كما هو - دون محاولة تغييره بأي شكل من الأشكال، أو تغيير نفسك - كلما كُنت أكثر اتزانًا وكان من الأسهل عليك أن تكون أكثر ثباتًا وتركيزًا. 

ومن المفارقات أيضًا أنه كلما تخليت عن السيطرة، زادت القوة التي لديك، وامتلكت المزيد من السيطرة التي تبحث عنها بأقل جهد.

الحياة غريبة، أليس كذلك؟

لذا إذا كنت تكافح من أجل الصمود أمام تقلبات الحياة ومواقفها المؤلمة، وترغب في تحقيق السلام الداخلي لديك، فحاول تطبيق واعتماد آليات التكيف التالية في حياتك اليومية وهي:

1- ممارسة التجرد.

عندما تغلو في ربط سعادتك ووجودك ومعنى حياتك بعملك وعلاقاتك، أو كل ما له علاقة بهم، فإنك بذلك تُعرض حياتك وصحتك النفسية والعقلية للخطر، لماذا؟ 

لأنك تسمح لما أنت شغوف به بأن يَفرض عليك حالتك المزاجية، ومستويات طاقتك، ومدى حماسك تجاه الحياة، وتعتمد على شيء خارجي لا يمكنك التحكم به في أن يُملي عليك كيف تعيش حياتك.

إن الفرق الوحيد بين من ينهار بعد الفشل أو الخسارة، وذلك الذي يستجمع قواه ليبدأ من جديد، هو أن الأخير عرف كيف يمارس فن التجرد.

قم بممارسة التجرد في تجاربك وعلاقاتك، تجرد من أفكارك الشخصية، وأهدافك المادية، ومن أى مؤثر يمكن أن يمنعك من تنفيذ فكرة التجرد.

اسأل نفسك هل سيبقى شيء إن عرّيت حياتك من أعمق علاقاتك ومن ما يمثل أهمية كبيرة بالنسبة لك للحظات؟ 

هل هناك جوهر منفصل ومتجرد وينعم بالسلام في داخلك بصرف النظر عما يجري في حياتك؟ أم أن حالك في تقلب مستمر بناءً على ما يحدث؟

يجب أن يكون السلام الذهني غير المشروط هو الثابت الوحيد لديك في هذه الحياة وممارسة التجرد هي جسر بلوغه.

2- ممارسة التذكر الذاتي.

لقد تم تكييفنا منذ الطفولة لخلق وبناء وتعزيز صورة معينة في أذهاننا لأنفسنا وللآخرين. على سبيل المثال، قد تكون هويتك هوية طالب جامعي، أو رجل أعمال مستقل وناجح، أو قد تكون هويتك دكتور، أو رجل أمن، لأن هذا هو المفهوم الذاتي الموجود لدى الجميع منذ الطفولة. ولكن مهما كانت صورتك الذهنية لنفسك، فمن الضروري بالنسبة لك أن تنظر إلى الطبيعة الحقيقية للذات، إلى ما وراء معتقدات الذات، والذكريات، والمشاعر، والأحاسيس، والحوارات الداخلية. 

اسأل نفسك، هل أنت بالفعل شيء محدود وعابر ومتغير مثل المشاعر والأفكار والمعتقدات والأيديولوجيات والافتراضات التي تنشأ وتتلاشى كل يوم بداخلك؟ تجرد من هويتك، جسدك وشخصياتك التي تقوي وتضعف جميعها، تأتي وتذهب، تزيد وتنقص، تضيء وتعتم، من أنت؟ ماذا تبقى؟

التذكر الذاتي هو محاولة التوقف وفصل نفسك عن ما أنت عليه وعن ما تملكه؛ بمجرد أن تتعلم أن أي موقف، أي شخص، أي نجاح أو فشل، أي إحساس ليس حقًا "أنت"، وليس له علاقة بما أنت عليه، وبمن تكون. يمكنك الاسترخاء في شمولية نفسك الحقيقية. يمكنك أن تُدرك بصدق أن الطريقة السيئة التي عاملك بها زميلك في العمل، وفشلك في الامتحان، ومدح الآخرين الذي ترك انطباع جيد لديك، كلها لا علاقة لها بمن "أنت" - كل ذلك هي ذاتك الزائفة، هويتك المُلفقة التي تخضع للنمو والتغيير والانحلال من وقت لآخر.

3- ممارسة تقنية "النظر إلى الوراء".

تقنية النظر إلى الخلف بسيطة للغاية وتعمل على الفرضية التالية: بعد مرور 10-20 عامًا، هل ستكون مشكلتك الحالية مهمة حقًا؟ على الأرجح لن يحدث فرقًا كبيرًا، وحتى لو حدث ذلك، هل دمرت تلك المشكلة حياتك بشكل دائم؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن المهم جدًا إعادة النظر في الطريقة التي تريد أن تعيش بها حياتك، وما تعنيه السعادة والنجاح بالنسبة لك.

إن المبدأ الأساسي للحياة هو أن "كل شيء سيمر"، مصدر حزنك وألمك، أو غضبك، وحتى فرحك وسعادتك كلها حالات مؤقتة ستمر وتنتهي وتتلاشى بمرور الوقت.

4- دمج اليقظة الجسدية في ما تفعله. 

يقترن الذهن الجسدي بشكل أفضل بالتركيز على أنفاسك مما يساعدك على تثبيت جسمك. يساعد الذهن الجسدي، والذي يُعرف أيضًا باسم "الوعي الجسدي"، على إعادة توجيه الطاقة التي تركز بها على أفكارك ومخاوفك وعواطفك إلى الأحاسيس في جسمك. 

التركيز على الجسد بهذه الطريقة يساعدك على تبديد التوتر، وعيش اللحظة، والتوقف عن التفكير السلبي.

5- الابتعاد قليلًا عن الموقف.

قد يكون الابتعاد عن الموقف ليس ممكنًا دائمًا، ولكن وبالرغم من ذلك فإنه مهم، من المفيد للغاية أن تأخذ خطوة للخلف وتهدأ قليلًا بحيث تسمح لعقلك بمعالجة كل ما يحدث. يُعد العثور على العزلة في الطبيعة طريقة مفيدة بشكل خاص لإرساء نفسك، وتذكيرك بأن الحياة أكثر بكثير من مخاوفك ومتاعبك. تخصيص وقت منفرد لنفسك كل يوم طريقة جيدة لإعادة كل شيء إلى منظوره الصحيح وحجمه الطبيعي، دون أن تضيع في زحمة التفاصيل.

التكيف العاطفي لإدارة الإجهاد وتخفيف التوتر. 

يمكن أن يوفر لك العثور على استراتيجيات التأقلم المناسبة التي تركز على العاطفة لنمط حياتك وشخصيتك أداة حيوية لتخفيف التوتر بشكل عام ويمكن أن يساعدك على تحقيق صحة بدنية وعاطفية أكبر. [1]

يمكن أن تنقسم تقنيات إدارة الإجهاد إلى فئتين هما: 

  • التأقلم المركّز على المشكلة، حيث تهدف استراتيجيات المواجهة التي تركز على المشكلة (أو على الحلول) إلى القضاء على مصادر التوتر أو العمل مع الضغوطات نفسها.
  • التعامل المرتكز على العاطفة، تساعدك تقنيات المواجهة التي تركز على العاطفة في أن تصبح أقل تفاعلًا عاطفيًا مع الضغوطات التي تواجهها من خلال تغيير طريقة استجابتك لها بحيث تؤثر عليك بشكل مختلف.

يمكن أن يساعد التكيف الذي يركز على العاطفة في كل من العواطف والحلول. حيث تعمل استراتيجيات المواجهة للفئتين بشكل جيد معًا. بينما تحتاج الاستراتيجيات التي تركز على المشكلة إلى التوافق بشكل جيد مع الضغوطات المحددة التي تعالجها، فإن تقنيات المواجهة التي تركز على العاطفة تعمل بشكل جيد مع معظم الضغوطات وتحتاج فقط إلى تلبية الاحتياجات الفردية للشخص الذي يستخدمها.

فوائد التكيف العاطفي وأهميته. 

يركز التأقلم الذي يركز على العاطفة على تنظيم ردود الفعل العاطفية السلبية للتوتر مثل القلق والخوف والحزن والغضب. قد يكون هذا النوع من التأقلم مفيدًا عندما يكون الضغط النفسي أمرًا لا يمكنك تغييره أو تجنبه. فيما يلي أهم فوائد التأقلم والتكيف العاطفي:

  • التكيف الذي يركز على العاطفة مهم جدًا؛ لأنه يساعدنا في تحويل الطريقة التي نعاني بها من الضغوط المحتملة في حياتنا ويقلل من تأثيرها السلبي على حالتنا النفسية والعاطفية. من خلال التأقلم الذي يركز على المشاعر فإننا لا نحتاج إلى انتظار تغيير حياتنا، أو العمل على تغيير ما لا مفر منه.
  • يُمكننا التأقلم العاطفي من إيجاد طرق لقبول ما نواجهه الآن، وعدم السماح له بالتأثير السلبي علينا. يمكن أن يقلل هذا من الإجهاد المزمن، لأنه يمنح الجسم فرصة للتعافي مما قد يكون، بدونه سوف نعاني من مستويات عالية جدًا من التوتر. 
  • التكيف العاطفي يسمح لنا بالتفكير بشكل أكثر وضوحًا ويمكننا من الوصول إلى الحلول التي قد لا تكون متاحة إذا شعرنا بالإرهاق. نظرًا لأن الأشخاص المجهدين لا يتخذون دائمًا القرارات الأكثر فاعلية، يمكن أن يكون التأقلم الذي يركز على العاطفة استراتيجية للوصول إلى إطار ذهني أفضل قبل العمل على تقنيات تركز على المشكلة.

4 تقنيات للتكيف مع التركيز على العاطفة لتخفيف التوتر. 

يعتقد الكثير من الناس أن استراتيجيات المواجهة التي تركز على الحلول هي أفضل طريقة لإدارة التوتر. بمعنى استبعاد الأشياء التي يبدو أنها تسبب لنا التوتر يعني أننا لسنا بحاجة إلى تعلم كيفية تغيير استجاباتنا لأي ضغوط، ولكن ليس من الممكن تمامًا التخلص من جميع الضغوطات في حياتنا - بعض العوامل في وظائفنا، أو علاقاتنا، أو أنماط حياتنا هي ببساطة عرضة لخلق التحديات والضغوط والتوتر. 

فيما يلي 4 تقنيات يمكن أن تساعدك في التكيف والتقليل من التوتر وهي:

1- ممارسة التأمل. 

يمكن أن يساعدك التأمل على فصل نفسك عن أفكارك عندما تتفاعل مع التوتر. لذلك، يمكنك التراجع والتحكم في ردود أفعالك واختيار الرد المناسب، بدلاً من الرد المباشر الذي يكون تحت تأثير التوتر والشعور السلبي.

يسمح لك التأمل أيضًا بإرخاء جسدك، مما قد يعكس استجابة التوتر لديك أيضًا. أولئك الذين يمارسون التأمل يميلون إلى أن يكونوا أقل تفاعلًا مع الإجهاد أيضًا، لذا فإن التأمل يستحق الجهد الذي يتطلبه لممارسته.

2- إعادة الصياغة وتغيير الطريقة التي تنظر بها لما يحدث. 

تسمح لك إعادة الصياغة المعرفية بتغيير الطريقة التي ترى بها المشكلة، والتي يمكن أن تُحدث فرقًا بين ما إذا كنت تشعر بالتوتر أم لا من خلال مواجهتها. لا تتعلق تقنيات إعادة الصياغة "بخداع نفسك للتخلص من التوتر" أو التظاهر بعدم وجود مسببات التوتر لديك؛ إعادة الصياغة هي أكثر حول رؤية الحلول والفوائد ووجهات. 

3- اكتشاف المعتقدات الخاطئة التشوهات المعرفية. 

إن إدراك الطريقة التي قد يغير بها العقل بشكل طبيعي ما نراه، وما نقول لأنفسنا بشأن ما نمر به، والطرق التي قد نساهم بها دون قصد في مشاكلنا الخاصة يمكن أن تسمح لنا بتغيير هذه الأنماط. كن على دراية بمعتقداتك الخاطئة والتشوهات المعرفية الشائعة، وستكون قادرًا على اكتشاف نفسك عندما تفعل ذلك. 

4- التفكير الإيجابي. 

يتضمن كونك متفائلًا طرقًا محددة لإدراك المشكلات - طرق تزيد من قوتك في موقف ما، و تبقيك على اتصال بخياراتك. يمكن لكلا هذين الأمرين تقليل تجربتك مع التوتر، ومساعدتك على الشعور بالقوة في المواقف التي قد تربكك بطريقة أخرى.


_________________
المصدر[1]/ verywellmind
مشاركة WhatsApp

المنشورات ذات الصلة