العلم والدين : إجابة آينشتاين على سؤال هل يصلي العلماء؟

العلاقة بين الدين والعلم

الدين والعلم من وجهة نظر آينشتاين
ألبرت آينشتاين

سواء كان ذلك في تأملاتك حول سياسات النوع الاجتماعي أو في أسئلتك واستفساراتك التي قد تبدو بسيطة ولكنها عميقة حول مسار أحداث الكون وكيفية عمل العالم، فإن هناك العديد من الطرق الفريدة لتجريد أكثر الظواهر الثقافية تعقيدًا وصولًا إلى جوهرها المجرد.

أحد تلك الظواهر الثقافية على سبيل المثال، التوتر القائم بين العلم والدين ، والذي شغل عقول العديد من رجال الدين والعلماء والفلاسفة البارزين قديمًا وحديثًا، من جاليليو إلى كارل ساجان، إلى بعض أشهر العلماء والعقول العلمية في العصر الحديث. المتعة الثقافية الهائلة للسؤال دفعت طلاب المرحلة السادسة في مدرسة السيدة إيليس في نيويورك إلى طرح سؤالهم عن العلاقة بين الدين والعلم على العالم الشهير ألبرت آينشتاين، والذي بدوره وضح العلاقة بينهما بطريقة رائعة وأسلوب منطقي.

إجابة آينشتاين على سؤال هل يصلي العلماء وما الذي يصلّون لأجله

في التاسع عشر من يناير من العام 1936م، أرسلت طفلة صغيرة من نيويورك اسمها (فيليس) رسالة إلى أحد أهم العلماء في التّاريخ الحديث؛ ألبرت آينشتاين، الذي غيّر من مفهومنا للكون، وللزمان، وللمكان أيضًا، وهو الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921م

حيث توجّهت فيليس بتشجيع من مُدرستها وبالنيابة عن حصة الدين في المدرسة بتقديم سؤالها الذي يتعلق بالدين والعلم برسالة إلى العالم ألبرت آينشتاين، فيما يلي نص الرسالة:

عزيزي د. آينشتاين

في حصة الدين المدرسية ناقشنا موضوع الدين والعلم وقد خطر في بالنا سؤالًا: هل يصلّي العلماء؟ وقد بدأ الأمر في سؤال أحد الطلبة فيما إذا كان بإمكاننا الإيمان بالعلم والدين معًا.

نحن في المدرسة نبعث برسائل إلى علماء وأشخاص مهمين آخرين، لنحاول الحصول على إجابة مكتملة عن هذا السؤال.

سيشرفنا جدًا لو أجبت عن سؤالنا: هل يصلّي العلماء، وما الذي يصلّون لأجله؟

نحن في المرحلة السادسة، صفّ السيدة إيليس.

مع كل الاحترام. 

فيليس.

__________

بعد خمسة أيام فقط، قام آينشتاين بالرد على الرسالة بما يلي:

عزيزتي فيليس 

سأحاول الرد على سؤالِك ببساطة قدر المستطاع، وهذا هو جوابي:

يعتقد العلماء أن كل ما يحدث من أحداث، بما في ذلك أحداث الكون وشؤون البشر، هو بسبب قوانين الطبيعة.

لذا لا يمكن للعالِم أن يميل إلى الاعتقاد بأن مسار الأحداث يمكن أن يتأثر بالصلاة، أو بالرغبة، أو بالأمنية الموجهة إلى قوة خارقة لكي تتجلّى تلك الرغبات في الحياة.

ومع ذلك، لابد لنا من الاعتراف بأن معرفتنا الفعلية بهذه القوى وقوانين الطبيعة ما زالت ناقصة ومجزأة وغير متكاملة، وبالتالي فإن الاعتقاد بوجود روح نهائية يعتمد على نوع من الإيمان. مثل هذا الاعتقاد يبقى حاضرًا على نطاق واسع حتى في ظل الإنجازات الحالية في مجال العلوم.

ولكن في نفس الوقت، كل من يطمح بجدّية في السعي وراء العلم، يصبح مقتنعًا بأن ثمة روحًا تتجلى في قوانين الكون، روح بمفهوم آخر يفوق بكثير مفهوم الروح المعهود عند الإنسان. ونحن بقدراتنا العقلية المحدودة والمتواضعة يجب أن نشعر أمامها بالضآلة. 

لذا، فإن السعي وراء العلم يقودنا إلى شعور ديني من نوع خاص، شعور مختلف تمامًا عن مفهوم التديّن عند شخص أكثر سذاجة.

مع تحياتي وودي

ألبرت آينشتاين.

_____________

من الجدير بالذكر أن الطفلة فيليس أرسلت هذه الرسالة إلى آينشتاين بعد 10 سنوات من إعلان العالم الألماني (هايزنبرج) لـ (مبدأ اللايقين) الذي يعتبر أحد مبادئ نظرية الكم، وبعد ظهور التفسير الاحتمالي لميكانيكا الكم، تلك النظرية التي أنكرت الحتمية الصارمة لكل ما يحدث في الكون، مما أدى إلى ظهور موجات جديدة من موجات الإلحاد نتيجة التوتر القائم بين الدين والعلم. 

تحليل إجابة آينشتاين حول الشعور الديني لدى العلماء.

يبدوا آينشتاين من خلال إجابته بأنه شخصًا حساسًا للغاية ولديه طريقة رائعة في التعامل مع الكلمات وعرض الأفكار، فـ بينما كانت لديه إرادة قوية، كان متواضعًا للغاية ونسب موهبته إلى فضوله وخياله الشغوفين، حيث شعر أن كلاهما أهم من المعرفة. 

قد يبدوا رد آينشتاين حذر نوعًا ما، فقد كان واضحًا في التأكيد على الإخلاص العلمي لقوانين الطبيعة؛ بمعنى أن العالِم لا يمكن أن يميل إلى الاعتقاد بأن مسار الأحداث يمكن أن يتأثر بشكل مباشر بالصلاة أو بالأمنية أو بالرغبة الموجهة إلى قوة خارقة لكي تتجلى في الحياة، لكنه بنفس الوقت يعترف بأن المعرفة الفعلية بالقوى وقوانين الطبيعة مازالت ناقصة وغير متكاملة، وأن قدراتنا العقلية محدودة وغير قادرة على الإدراك الكلي لما يحدث في الكون، نتيجة لذلك فإن آينشتاين يعود ويصرح أن البحث العلمي يُفصح عن روح عليا تتجلى في قوانين الكون، ومع ذلك، فهي روح تولد لدى العلماء شعورًا دينيًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الشعور الديني للإنسان البسيط. 

رد آينشتاين الحذر يُعبر أيضًا عن نوع من الرهبة العلمية التي تُقر بحدود القدرات العقلية للإنسان، وتؤدي إلى نوع من التدين القائم على تأمل نتائج البحث العلمي واكتشافاته وروعة النظام الكوني؛ حيث يعد ذلك أرضية مشتركة للإيمان بوجود الله لدى كل من العالِم والإنسان البسيط، بل ربما أدى تقدم العلم في النهاية إلى معانقته للفطرة السوية.


_______________
- المصادر والمراجع:
مشاركة WhatsApp

المنشورات ذات الصلة