فلسفة الشر : لماذا خلق الله الشر

الحكمة من وجود الشر في حياتنا

فلسفة الشر
فلسفة الشر

مسألة الشر معضلة إنسانية كبرى للإنسان، ليس فقط لأنه يتألم من حدوثه؛ بل لأنه يجد إشكالية في فهمه، ولم يتمكن من تفسير أسباب وجوده أو يدرك الغاية من ورائه. 

نفوسٌ إنسانيةٌ مُمزقة، حروب مُدمرة ومجاعات وفقر، سجون وتهجير ولاجئون، ظلمٌ لا يتوقف، وآلام شخصيةٌ لا تنتهي، فإلى متى يستمر كل هذا؟ ولماذا يحدث من البداية؟ وإذا كان العالم يدبره إلهٌ حكيم فلماذا يوجد كل هذا الشر؟ لماذا ربُطت الحياة بالمعاناة التراجيدية؟ لماذا خلق الله الشر، وما هي الحكمة وراء ذلك كله؟

في هذا المقال، سنتحدث عن فلسفة الشر وعن الحكمة من وجوده في حياتنا.

فلسفة الشر

الشر مشكلة فلسفية قديمة لكنها لم تكتسب حضورها في الوعي الجمعي إلا في العصور الحديثة تحديدًا بعد وعود الحداثة الأوروبية، تلك الوعود بالقضاء على الشرور من هذه الأرض، تطلع حينها الإنسان إلى الفردوس الأرضي الذي لا شر فيه، فالعلم سوف يقضي على المجاعات والحروب والأوبئة وجميع الشرور، أما المستقبل فهو يحمل السلام والرقي والحب الأبدي للبشرية، حيث سيتخلص الناس من آلامهم النفسية حين يتجرعون المزيد من المتعة واللهو. كان الفردوس الأرضي أحد نبوءات الحداثة ولكن وفي غضون أعوام قليلة تبددت تلك الأحلام تمامًا واستُبدلت بها كوابيس الشرور التي لم تشهد البشرية لها مثيلًا، حربين عالميتين، ملايين الجثث، احتلالات عسكرية ومذابح بشرية وكساد اقتصادي كبير، إضافة إلى ملايين الأوبئة والأمراض الفتاكة التي لم تعرفها البشرية من قبل. أما الألام النفسية وخواء المعنى فقد بات الشبح المُخيف للإنسانية، وتبددت أحلام الفردوس الأرضي. 

خابت الوعود وغرق الإنسان في أزمة توالت معها الأسئلة الوجودية وفقدان المعنى الحقيقي للحياة، وطافت العدمية التي لا ترى في الحياة غايةً أو مغزىً مفهوم، فالإنسان الحديث هو إنسان اللذة السريعة والألم عنده ضيفٌ غير مقبول، فـ الألام في اعتقاده هي بمثابة الورم الذي يجب إنتشاله لتستمر متعة الحياة، فلا معنىً للحياة عند الإنسان الحديث إلا بزوال الألم، ولا غاية للوجود من وراء المعاناة، فتلك الحياة وجدت للمتعة لا للمعاناة. 

ولكن… لنتخيل الأن أننا في فردوس أرضي، إذا كُنا هنالك حيث الفردوس، فلا معنى للمكابدة، لا معنى لخفة الحياة وثقلها، لا معنى لإنبساط الروح وإنقباظها. الفردوس يعني أن الإنسان بلا إرادة؛ لإن إرادة الإنسان تستلزم قدرته على فعل الخير والشر معًا. أما الفردوس فيعني أنه خيرٌ لا شر فيه، حينئذٍ تصبح الحياة بلا معنى.

هل يشعر السمك بالبلل؟ هكذا يتساءل "سي إس لويس" عن سبب إحساسنا بالشر ، فلو غاب النور أو طُمست أعين الكائنات فإن كلمة الظلام ستكون بلا معنى، وحين نصف خطًا بأنه مُعوج فلابد أن نكون على دراية بماهية الخط المستقيم، هكذا يكمل لويس وهكذا الحياة، فإذا كانت الحياة بلا معنى؛ فلماذا يجد الإنسان ردة فعل عنيفة تجاه شرورها؟ 

بعبارة آخرى، لو كان العالم مكانًا غير عادل فمن أين أتتنا فكرة العدل؟ ولو كانت فكرة العدل محض وهم؛ فلماذا نعترض على وجود الشر؟ 

لنا أن نتساءل، أليس معاني مثل الظلم والقتل والعنصرية والإبتزاز كلها جرائم، والعون والرحمة والتسامح أفعال خيرة، فإذا كانت كل هذه الأفعال نحكم عليها بأحكام أخلاقية، والأحكام الأخلاقية تحتاج إلى مصدر ثابت، مصدرٍ نقيس به الخير من الشر والصواب من الخطأ؛ فمن أين يأتي هذا المصدر إذن؟ 

هل هناك تفسير غير أن الله قد أوجد هذه المعاني في أنفسنا إبتداءً؟ "فمن ليس في قلبه الله فليس بإمكانه أن يشعر بغيابه".    - سيمون ويل

لماذا يوجد الألم وما هي الحكمة من وجوده

الألم ذلك الزائر الذي نستنكره بنفسٍ مرهفة، ولكن هل يُعقل أننا نظلمه بهذا الاستنكار؟ ألا يمكن أن يكون هناك حكمةُ خير من هذه المعاناة؟ 

بول بريند، طبيب إنجليزي قضى عمره مع مرضى الجذام، أولئك المفتقدون للشعور بالألم فتضطرب حياتهم. 

يُخبرنا بريند في كتابه "هبة الألم" عن ضرورة المعاناة للبشر، فالألم يحفظ الإنسان من تهديدات قد تحطم نفسه، وعند الشعور بالألم يستطيع الإنسان أن ينسحب من الخطر، فـ بالألم يتعلم الإنسان التأني قبل الخطوات إلى النار أو المجهول، وبأثر الألم في الذاكرة يتحرك الإنسان نحو الأشياء، أي أن الألم وسيلة الإنسان للحياة الآمنة في هذه الدنيا، هكذا تخبرنا حكايات مرضى الجذام، فلو كان بمقدور براند مهاداة مرضاه بشيء لكان الشعور بالألم؛ لأنه ليس بمقدور الهندسة الطبية إنشاء منظومة معقدة تحمي الإنسان كجهازه العصبي، فإن كان هذا عن حاجة الجسد، فماذا عن حاجة الروح؟ 

كيف تصنعُنا المُعاناة

هل يمكننا تخيُل عالم بلا شرور أو حتى عالم بشرٍ وهمي لا يؤذينا؟ 

لقد سَبقنا إلى هذا السؤال دانيل سنايدر، وأجاب أنه في عالم كهذا لن نجد منفذًا للخير. فلا أحد يحتاج العون لنعطيه إياه، ولا أحد يمكنه أن يثير تعاطفنا. 

لا عفوا إذ لا خطأ، ولا منح لأنه لا يوجد فقد، في عالم كهذا لن نمجد شخصًا يسعى لهدف نبيل، ولن يهب أحدٌ من ماله أوقته أو موهبته شيئًا للمحتاجين. إنه عالم ضيق وخالٍ من كل اتصال حقيقي مع الغير.

هكذا إذًا تصنعنا المعاناة، فلا معنى للحياة دون مكابدة، وصناعة النفس لا تكون في واقع خامل بلا تأثير ولا خيارات، وإن عالمٌ خالٍ من الشرور عالمٌ لا تمايز فيه، فلا أخيار ولا أشرار، لا يثاب المحسن ولا يعاقب المسيء، فكيف يتوافق هذا كله مع حكمة الله الذي يختبر عباده بالغيب؟ وأين العدل إذن في هذه الحياة؟ 

إن عالمًا فاضلًا تمامًا كهذا سيمتلك من الظلم ما يفوق الظلم البشري في عالمنا الحالي؛ لأنه يلاشي الفرق بين اللحظة العابرة والأبد الطويل. 

يقول نيتشه، من عنده "لِمَا؟" يستطيع العيش تحت أي "كيف؟". لأن الغاية حين تكون واضحة تهون الصعاب في الطريق إليها. هناك حكمة خلف هذا النقص، الوعي بهذه المعاني يُخبرنا بأن اتساق الألم مع الحياة متممٌ لقضية الألوهية، فالمفاضلة بين الناس إنما هي بالتقوى وبحالهم عندما ينزل بهم البلاء. أو كما يقول ويليم رو " نستنتج أن الشكل المنطقي لمشكلة الشر ليس مشكلة ذات بالٍ عند مذهب الألوهية"، وحين ندرك ذلك فإننا نعي بأن لهذه الحياة غاية، فـ نتطلع إلى ما وراء هذه الغاية، فالمعنى ينبع من عالمٍ آخر غير عالم الحس، وإحساس النقص هو سر التطلع للكمال، وهذا التطلع هو الذي يفضي بنا إلى الإعتراف بوجود الإله الحكيم الخبير، أما حين يُطلب من الله أن يمنع الشر في الأرض فكأنه يُطلب بأن يُمنع الإنسان من الحرية والإرادة، فحرية الإرادة تعني بالضرورة أن يكون الإنسان قادرًا على فعل الشر والخير معًا، حينها ستغيب عنا الحكمة خلف ما نراه من مآسي، أو كوارث طبيعية لأننا تنكرنا المعاناة رغم مثولها في جنبات حياتنا، ولو كان للناس حالٌ واحد من العبادة لفاتت الحِكم والآيات والعبر والغايات وفات كمال المُلك والتصرف الذي هو لله، ففهم الغاية من الحياة هي التي تُفسر لنا إجابة "لِمَا".

مشاركة WhatsApp

المنشورات ذات الصلة