كيف تكتشف ذاتك وتحدد مسار حياتك؟

إرسال تعليق
اكتشف نفسك
اعرف نفسك أولًا
غالبًا ما تُراودنا الكثير من الأسئلة والاستفسارات التي نحاول من خلالها أن نكتشف ونُدرك ذواتنا، والكينونة الإنسانية الموجودة في أعماقنا، والتي تحمل من التعقيد الشيء الكبير.
في هذا المقال سنتحدث عن الاكتشاف الذاتي؛ لما له من دور كبير في تحقيق النجاح والسعادة في الحياة. 

كيف تكتشف ذاتك؟ 

تعتبر مرحلة اكتشاف الذات مرحلة مهمة جدًا، لأنها ترسم مسار الإنسان في رحلته على هذه الأرض، وتساعده على اكتشاف نفسه، ومعرفة نقاط القوة والضعف لديه واكتشاف مواهبه ومهاراته والعمل على تطويرها.
حاول أن تتوقف لفترة من الزمن عن مجاراة هذا العالم المضطرب، وأن تنظر للحياة بصورة شُمولية في لحظات تتطلب منك طرح أسئلة معينة على نفسك، لتكتشف من خلالها الغاية والهدف من وجودك بعد عبادة الله التي تُعد الغاية الأولى للوجود في هذه الحياة؛ ومن تلك الأسئلة:
  • من أنا؟
  • ماذا أفعل في هذه الدنيا وماهى رسالتي في الحياة؟
  • ماذا أعرف عن نفسي؟
  • لماذا جئت إلى هذا العالم؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير كانت تَشغلُني في أغلب أوقاتي، وأنا في بداية سن المُراهقة، كنت أحاول أن أبحث عن الإجابات المُريحة التي كنت أعتقد بأنها ستضع النقاط على الحروف، وتساعدني على بدء مسار حياتي!
حتى أتت تِلك اللحظة الحاسِمة التي وجدت نفسي فيها وسط هذا العالم الصاخب في غُربةٍ لظروف كانت قاهرة، حينها وجدت بأنني إنسانٌ لا يعرف شيئًا سِوا خلفيات نظرية بسيطة عن الحياة، وعن الدين، وعن الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية والأُسرية وغيرها، ولكن لا وجود لشيء عن نفسي، وعن مواهبي ومهاراتي!

وجدت نفسي كشخص يضطرِب باضطراب هذا العالم، الذي واجهت فيه الكثير من التحديات، والصعاب، و حالات من الاكتئاب النفسي واليأس، والإحباط، وجدتُ مُفترقات طرق ومسَارات خطيرة جدًا، ولولا لُطف الله بي لتَفتت شخصيتي وانحرَفتُ عن مساري الصحيح، لم يكن لدي أي شيء يُمكن لي أن أفعله سِوا أن أقاوم الظروف واجاري هذا العالم في العبثية التي تَتَخللُه، وأعيش الأدوار المُصطنعة فيه.
إلى أن شاءت العناية الإلهية أن اتوقف وابتعد عن عجلة الزمان لبعض الوقت. توقفت وطالت وقفتي، ولكنني بعد ذلك ولِدتُ من جديد، وأدركتُ من أنا؟
وما هو دَوري في الحياة وأَدركتُ الكثير، وأقول أدركت ولا أقول عرفت، لأن المعرفة بالشيء لا تُولد القيام به كما في حالة الإدراك والاستيعاب، ما الذي حصل هنا؟
ما حصل هو معرفة الأنا وفك لغز تلك الكينونة الداخلية وبكل بساطة.

مصطلحات ضخمة، واستفسارات كثيرة، ولكنها بسيطة إذا أردنا اكتشافها وسَبر أغوارها.
فقد تَحولتُ إلى إنسانٍ آخر تمامًا، إنسان يُجِيد فَن التعامل مع نفسه، ومع الآخرين من حوله.
البداية كانت عندما دخلتُ الجامعة حينها وجدتُ نفسي في عالمٍ يدور وأنا لا أُدرِكُ دَورانه، بسبب جهلي وبَساطة فِطرَتي، الخجل يَلُفنِي من جِهة، والخوف من المُستقبل القادم يَضرب طُوقًا حولي، والمجتمع الذي أتعامل معه يفرض نفسه عَليّ وبِقوة.
لن أَقول بِأنني كُنت كاللُقمة السائِغة لمن حَولي، ولكن كُنت أنّا تِلكَ اللُقمة بعينها، لأن جَهلي في كيفية التعامل مع الواقع الذي أعيشُه كان دائمًا ما يُؤثر سِلبًا على نفسيتي، ويُسبب لي العديد من حالات الاكتئاب، والإحباط التي كانت تُدمرني كلما تَعرضتُ لأزمةٍ ما، ثقتي بنفسي بدأت تتلاشي بعد كُل انهيار عصبي، 
كنت أحاول أن أفرض نفسي وأثبت ذاتي في هذا العالم المضطرب من حولي، ولكن كان الواقع المُؤلم يُعِيقني من البدء في تنفيذ تلك الرؤية والحلم الذي كنت أحلم به، لأن الواقع الذي أعيشه تَفوق عَليّ وبِقوة، وأحكم سِيطرته على الموقف الذي أعيشُه، وبدأتُ في الاستسلام كرد فعلٍ منطقي.
في تلك اللحظات التي كانت تُراوِدني أفكار الاستسلام للواقع كان هناك صوت في أعماقي يتردد على مسامعي من الداخل، يخرج من أعماقٍ غائصة في نفسي، وهى تسألني لماذا الاستسلام؟ فأجد الجواب سريعًا وماذا أفعل تجاه هذا الواقع المُؤلم؟ 

مرت الأيام وأنا في حالة من الصراع والاكتئاب النفسي إلى أن قررت تغيير حياتي وفهم نفسي واكتشاف مواهبي، بدأت في قِراءة بعض الكتب في علم النفس والتنمية الذاتية، فوجدت بأن هناك كثيرٌ مِن تصرفات الفرد، وسلُوكِياته تكون عِبارة عن ردت فعل لما يَحدثُ له، حيث تعتمد ردات الفعل هذه على حسب ما هو مخزون في العقل الباطن من تجارب، وقناعات، ومخاوف، ومعتقدات. وغالبًا ما تكون تِلك المعتقدات، والقناعات، والمخاوف سِلبية وغير صحيحة، ومُسيطرة إلى الحد الذي يمكن أن تمنع العقل الواعي من الرؤية الشاملة، والصحيحة لما يحدث.
عندها بدأت في إصلاح الخَلل من خلال إعادة برمجة العقل الباطن ، وزيادة الوعي، وتنمية الإدراك، والتخلص من تلك المعتقدات السلبية، والمخاوف الوهمية، والقناعات الخاطئة التي نَشأت مِنذُ وقت مبكر في عقلي الباطن، ولكن كان ينقصني التوازن الذي سيكون هو الميزان لوزن الأمور ما بين العقلانية والعاطفة، وتجنب الإفراط في التفكير وتحليل الأمور، والتفريط في الفرص.
نظرية التوازن هذه حصلت عليها أثناء قراءتي لكتاب في تربية الطفل، كان هذا الكتاب يعتمد على منهج التوازن للدلالة على فلسفته، فقد كان يعرض الموقف ويعطي الحل لهذا الموقف تارةً في أقصى اليمين وتارةً في أقصى اليسار وإذ بالحل المتوسط والمتوازن يظهر في المنتصف.
من هذه الفلسفة تعلمتُ هذا المَبدأ وأدركته وبدأت بتطبيقه عمليًا في كل موقف يواجهني في الحياة حتى أًصبح عادةً من عاداتي الشخصية.
ومن الأمور الأخرى التي كانت تُعيق طريقي أيضًا تلك العُقد النفسية المؤلمة من تجارب الماضي، فقد كان لي معها معارك كثيرة في محاولة التخلص منها ومحوها، فلا يُخفى على أحد ما لِهذه العُقد من تأثير كبير جدًا على تفكير الإنسان، وطريقة اتخاذه لقراراته
لذلك كان يَتوجبُ علىّ النسيان وعدم التفكير في عُقد الماضي، وذلك لأننا نعيش هذه اللحظة وليس الماضي، فالماضي لا يجب أن يكون له ذلك التأثير السِلبي على عقلية الفرد وطريقة نظرته للحياة، لأن الماضي وجِد لكي يتخذ الإنسان منه الخِبرة ويكتسب مِن خِلاله القوة، لا أن يؤثر سلبًا على حياته.
ومما ساعدني على كل هذا هو معرفتي وإدراكي لطريقة التفكير الموضوعي وذلك من خلال ثلاث نقاط قادتني نحو التفكير الموضوعي وإدراك أساليبه وهي كالتالي:
  • طرد ردات الفعل والتأكد من صحة القناعات الذهنية والمخاوف. 
  • التوازن في التفكير. 
  • التخلص من العقد النفسية. 
تمكنت من خلال هذه النقاط الدخول إلى عالم النفس بكل صدقٍ وواقعية، أي أن المزيج الذي ظَهر من تلك المكونات الثلاثة أكسبني قدرةً كبيرة جدًا في التعامل بموضوعية مع نفسي. فصارت الحقيقة جَليةً أمام ناظِري عندما أحكم على فِعلى الذي قُمتُ بِه.
وهكذا مع قليل من الصداقة مع النفس، وكثيرٍ من التقوى والصلة بالله، والشفافية، صِرت أستطيع توجيه اللوم مباشرة إلى نفسي إن أخطأت، وبالتالي توطدت العلاقة مع نفسي مما فتح الباب أمامي في الدخول إلى عالمها الرحب والبدء في اكتشافها.

في البداية حاولت التعرف على الأمور التي تجعلني متوترًا، ومكتئبًا وبدأت بتفنيد كل منها على حدة، ومع المصارحة، والحوار الداخلي مع الذات تمكنت من القضاء على كل المُحبطات، التي كانت من الأمور الصغيرة التي لا يَجدُر بنا الاهتمام بها، لأنها صغائر
هذه النقطة بدأتُ ألمس تأثيرها في علاقاتي مع أصدقائي، فلم أعد أهتم بتلك القضايا الصغيرة التي تنشأ بين الأصدقاء، ولا تلك الآراء السلبية التي كانت تَنتقِدُ ما أقوم بِه، لأني كنت واثقًا من نفسي، ومما أقوم به، مما انعكس ذلك إيجابًا على علاقاتي الاجتماعية، وقراراتي المصيرية.
ومع مرور الوقت اكتشفت أغوار نفسي وتعرفت عليها أكثر وأكثر، وتوطدت علاقتي مع ربي وفُتحت لي آفاق أْخرى من الخبرات، والمهارات في مجالات الحياة المختلفة.
والسبب الذي جعلني أنجح في تحقيق ما أُريد هو اكتشافي لمواهبي ومهاراتي التي كنت أجد من خلالها المتعة والسعادة عند مُمَارستها والقيام بها على أكمل وجه، مما ساعدني على الاستمرار وبذل جهد أكبر.

- أهمية اكتشاف الذات. 

إن المشكلة التي نُعاني منها تكمن في جوانب التربية التي نشأنا عليها، حيثُ يتم التركيز على بناء الإنسان المثالي المدعم بالنظريات، والمسلمات والمبادئ، والقيم، ولا يتم في معظم الأحيان بناء ذلك الإنسان الواقعي الذي يستمد من تلك النظريات، والقيم التي يحملها واقعًا مناسبًا له، يستطيع التعامل بها، وتطبيقها مع من حوله، ولكننا نظل في تشتت، وضياع بين صراعات نمر بها كإنسان يعيش في هذا العالم، وبين إنسان لديه هدف ورؤية يحاول أن يقوم بتنفيذها في الحياة.

من خلال احتكاكي بكثيرٍ من الأصدقاء وجدتهم أَبعد ما يكونون عن معرفة أنفسِهم، فكيف يمكن أن تُحقق النجاح في الحياة، وأنت تجهل نفسك، ومواطن القوة والضعف فيك، وتجهل مواهبك ومهاراتك؟
غالبًا ما يكون الواقع أكثر تعقيدًا، فلم نعد نعرف ماذا نريد، وكيف نحقق ما نريد، فنلجأ لتقليد البعض، فيما يقومون به متناسين الفوارق الشخصية من شخص لآخر
هم يمشون ونحن نمشي معهم حتى وإن كان الطريق مغلقًا أمامنا فإننا نفعل المستحيل ونخاطر بأنفسنا لنصل إلى ما وصلوا إليه.
لم يعد للاختلاف وجود الكل أصبح مهووسًا بالتقليد في كل أمور حياته حتى أهدافه، ولكن في النهاية ستجد الكارثة والصدمة المؤلمة عندما تكتشف بأنك أفنيت عمرك في تحقيق شيء لا يناسبك، ولا يليق بك ولا يتوافق مع مواهبك ومهاراتك.
فالتقليد الأعمى دمر حياة الكثير من الأشخاص، لذا يجب عليك أن تعرف ذاتك وتكتشف نفسك وتدرك ميولك وتحدد أهدافك وكيانك الذي تعيش لأجله، ليس منطقيًا أن تكتئب وتغلق عينيك عن ذاتك وعن مواهبك ومهاراتك وتقلد غيرك.
يكفيكم استنساخًا فلكل إنسان حياة مختلفة ومهارات ومواهب تتناسب معه فقط ومع كل شيء حوله، لا يمكنك أن تعيش حياة غيرك.
يجب أن تكون مُمَيزًا في أهدافك وطموحاتك، مُختلفًا برؤيتك واهتماماتك
لا تُقلد أحدًا. اكتشف مواهبك ومهاراتك، وحدد لنفسك أهداف تتناسب مع تلك المهارات والمواهب، ولا تخشى المحبطين من حولك، ولا تدع كلام الآخرين وتعليقاتهم السلبية تُحدد مسارك في الحياة، عيش حياتك كما تريدها أنت لا كما يريدها غيرك.

إن مرحلة اكتشاف الذات مرحلة مهمة جدًا، ولها نتائج رائعة، سواءً في اكتشاف المواهب والمهارات، أو إدراك مشاعر الآخرين، وبناء علاقات جيدة مع كل ما يحيط بك، ومع ذاتك، مما يمكنك من التخلص من نِقاط ضعفك، وتطوير نِقاط القوة لديك، وإصلاح أمورك الشخصية مع نفسك، ومع الآخرين من حولك.

- علاقتك مع نفسك.

يساعدك اكتشافك لذاتك على تطوير قدراتك النفسية، وهذا بدوره يمكنك من مقاومة التوتر والقلق والاكتئاب، وذلك عندما تستوعب وتدرك بأنه يجب عليك أن تعيش في حدود يومك فقط!
فهذا يعني عدم إشغال نفسك بأمور تُريد أنت أن تستَبق أحداثها
لذا حاول إسعاد نفسك، ولا تهتم بشأن الأمور التي يجب عليك القيام بها مستقبلًا، كل ما يجب عليك هو أن تُخصص لها وقتًا مُعينًا لممارستها، والاستعداد لها فقط.
عندما تُطبق نظرية التوازن لا أقول بمنعك عن التفكير بالمستقبل لأنه من حقك التفكير بذلك المجهول، ولكن لا تدع الأمر يتجاوز حده ووقته.
خطط لحياتك لأن التخطيط وإدارة الوقت سوف يساعدك على أن تعيش حياة سعيدة وممتعة وسط هذا العالم المضطرب، قم بتحديد أولوياتك واعطيها ترتيبًا من حيث الأهم ثم المهم.
وإن حدثت معك مشكلة، لا تفكر في المشكلة، فكر في الحلول الممكنة التي ستساعدك على حل تلك المشكلة والتخلص منها.

- علاقتك الروحية مع ربك.

الاكتشاف الذاتي يؤدي إلى تقوية علاقتك مع ربك، وذلك من خلال تطبيق نظرية التوازن التي ستمكنك من اكتشاف نفسك ومعرفة الجانب المادي في حياتك ونظيره الروحي، وهنا سوف تبحث عن مدى الاتزان الحاصل في نفسك، لتصل إلى حالة من الاستقرار عن طريق الموازنة في تلبية حاجاتك الجسدية وحاجاتك الروحية.
لذا يجب عليك أن توازن بين حاجات الجسد، وحاجات الروح لكي لا تعيش حالة شد وجذب بين جسدك وروحك
فالجسد يُفضّل النزول إلى الأرض والاستمتاع بكل لذاتها؛ لأنه منها!
والَروح تُريد أن تسمو وتعلو إلى خالقها، فكلٍ منهما غذاؤه من منبعه.
فَـالجسد يحتاج إلى الأكل والشرب والنوم ليعيش
والروح تحتاج إلى ما نزل من السماء من ذكر وقرآن وإيمان لكي تعيش وتسمو.
الشعور بالجوع، والعطش، والتعب إشارات لحاجة الجسد، والشعور بالهّم والضيق، والملل دليل إلى حاجة الروح لممارسة الروحانية والطقوس الدينية من صلاة وذكر وتلاوة قرآن.
لذا فإن التوازن مطلوب لكي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويحفظ حالة الإتزان.
من ناحية أخرى، عندما تُحقق الاكتشاف الذاتي سَتُدرك الأجزاء الناقصة في علاقتك مع ربك، وستقوم بأدائها من أجل تحقيق الشعور براحة البال والسكينة، والثقة بالله، وعندما تشعر بالوساوس والمخاوف والأفكار السلبية، وتقوم بممارسة الروحانية والاستغفار فإن ذلك سيولد لديك شعور بالراحة وعدم الخوف، لأن الروحانيات والعبادة تقوم بطرد الطاقة السلبية من الجسم وتجعلك تستشعر حفظ الله وتوفيقه لك.

- علاقاتك الاجتماعية.

اكتشاف الذات يساعدك على خَلق شعور قوي بالنزاهة والمثالية، ويخلق لديك إيمان قوي بقدراتك ومهاراتك، مما يساعدك على زيادة ثقتك بنفسك، ويولد لديك دافع قوي لمساعدة الآخرين على تحقيق أهدافهم وتقديم الدعم المعنوي أو المادي لهم،
كما يساعد على فهم الطرف الآخر، واكتشاف مشاعره ودوافعه النفسية، مما يمكنك من تحقيق حياة ذات معنى، وروابط اجتماعية قوية وعميقة مع الأشخاص المحيطين بك.
مشاركة WhatsApp
أحدث الأقدم

المنشورات ذات الصلة

إرسال تعليق

ليصلك كل جديد اشترك في قائمتنا البريدية